ابن تيمية

347

مجموعة الفتاوى

وَقِيلَ : يَقْصُرُ مُطْلَقاً وَقِيلَ : لَا يَقْصُرُ إلَّا إلَى قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : لَا يَقْصُرُ إلَّا إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ وَقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ ؛ دُونَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَاَلَّذِينَ اسْتَثْنَوْا قَبْرَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِمْ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : - وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّ السَّفَرَ الْمَشْرُوعَ إلَيْهِ هُوَ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ وَهَذَا السَّفَرُ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَهَؤُلَاءِ رَأَوْا مُطْلَقَ السَّفَرِ وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ قَصْدٍ وَقَصْدٍ ؛ إذْ كَانَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَا بُدَّ أَنْ يُصَلُّوا فِي مَسْجِدِهِ فَكُلُّ مَنْ سَافَرَ إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ فَقَدْ سَافَرَ إلَى مَسْجِدِهِ الْمُفَضَّلِ . وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : فَمَنْ نَذَرَ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُوفِي بِنَذْرِهِ وَإِنْ نَذَرَ قَبْرَ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ . وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِن العُلَمَاءِ يُطْلِقُ السَّفَرَ إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ . وَعِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ ؛ إذْ كَانَ كُلُّ مُسْلِمٍ لَا بُدَّ إذَا أَتَى الْحُجْرَةَ الْمُكَرَّمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهِ ؛ فَهُمَا عِنْدَهُمْ مُتَلَازِمَانِ . ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : الْمُسْلِمُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَالسَّفَرُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَازِمٌ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُسَافِرُوا لِمُجَرَّدِ الْقَبْرِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ السَّفَرُ لِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْقَبْرِ جَائِزٌ وَظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ لِخُصُوصِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ نَبِيّاً فَقَالَ : تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ . وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ : أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا السَّفَرِ